فوزي آل سيف
152
الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط
أنه لم يجد عملًا بالمقاييس التي وضعها هو وإلا فالأعمال موجودة في كل مكان، والله جعل الأرض ذلولًا لكن طلب من عباده أن يمشوا في مناكبها[349]ليأكلوا من رزقه. وفي الرواية، عن الإمام الصادق عليه السلام، "إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَيُحِبُّ الاغْتِرَابَ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ". نعم وردت روايات تجعل من سعادة المرء أن يكون رزقه في بلده وعند أهله،[350]وهذا لا ريب فيه لمن كان مخيرا بين أن يكون رزقه بعيدًا عن داره وأهله وعياله وبين أن يكون بينهم وعندهم! فلا يوجد عاقل يختار البعد على القرب، ولكن لو كان الرزق ـ لأسباب مختلفة ـ مرتبطًا بالاغتراب، كأن تكون أرباح التجارة في ذلك المكان أكثر أو فرص الأعمال أكثر! أو لغير ذلك، فلا معنى هنا أن يختار الإنسان بلده مع قلة الرزق وشحة الموارد إذا كان بإمكانه الاغتراب وتحصيل أضعاف ذلك في نفس المدة. وفي رواية أخرى تشير إلى الأثر المترتب على الشخوص والاغتراب في طلب الرزق: " اشْخَصْ، يَشْخَصُ الرِّزْقُ لَكَ"![351]. ونلاحظ في الحديث أنه بينما كان الله " يبغض" من يكون كسلانا عن أمر دنياه ورزقه، هنا " يحب " الاغتراب. طلب الرزق أو الاعتماد على المساعدات؟ ومما يكرس حالة الكسل عند البعض هو الاعتماد على مساعدات الآخرين له، واستسهال هذا مع أنه من الأمور المكروهة جدًا في الشرع أن يتعرض الإنسان للمسألة والطلب من غيره، مع قدرته على طلب رزقه والسعي في ذلك، وربما يتصور بعضهم أن الأمر لا يكلفه سوى رسالة واتساب يرسلها إلى عشرة ممن يعتقد بأنهم سيساعدونه، فلو لم يفعلوا لم يخسر شيئًا! لكنه لا يدري كم خسر! ولا يعلم ماذا صنع بنفسه في يوم القيامة! وعندما يأتي للحساب كيف سيأتي؟[352] لقد علّم النبي أصحابه أن السعي هو الطريق الأشرف للثروة بل والأقل تكلفة من طلب المساعدة والتعود عليها. ففي ما روي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنه قال: اشتدت حال رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله فقالت له امرأته، لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله فسألتَه فجاء إلى النبي صلى الله عليه وآله فلما رآه النبي صلى الله عليه وآله قال: من سألنا أعطيناه ومن استغنى أغناه الله، فقال الرجل: ما يعني غيري فرجع إلى امرأته فأعلمها، فقالت: إن رسول الله صلى الله عليه وآله بشرٌ فأعْلِمه فأتاه فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من سألنا أعطيناه ومن استغنى أغناه الله، حتى فعل الرجل ذلك ثلاثا ثم ذهب الرجل فاستعار معولا ثم أتى الجبل، فصعده فقطع حطبًا، ثم جاء به فباعه بنصف مد من دقيق فرجع به فأكله، ثم ذهب من الغد، فجاء بأكثر من ذلك فباعه، فلم يزل يعمل ويجمع حتى
--> 349 قال بعضهم أن (مناكبها) تعني طرقها وأطرافها، وقال آخرون أن معناها جبالها، وأيا كان فلا بد من الحركة في أطرافها وأكنافها صعودا ونزولا حتى يحصل المرء على رزقه! 350 ) بل ورد في تعقيب الصلاة: اللهم فاجعل رزقي واسعا ومطلبه سهلا ومأخذه قريبا 351 الحر العاملي؛ محمد بن الحسن: وسائل الشيعة - ط الإسلامية 12/ 50 352 ) قد عنون الحر العاملي في وسائل الشيعة 9/ 436 بابا بعنوان تحريم المسألة من غير احتياج، ذكر فيه عددا من الأحاديث منها: ما عن علي بن الحسين عليه السلام: ضمنت على ربّي أنّه لا يسأل أحد من غير حاجة إلاّ اضطرّته المسألة يوماً إلى أن يسأل من حاجة. وعن أبي عبد الله جعفر الصادق عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: اتّبعوا قول رسول الله صلى الله عليه وآله فإنّه قال: من فتح على نفسه باب مسألة فتح الله عليه باب فقر وما عن أبي عبد الله عليه السلام: ما من عبد يسأل من غير حاجة فيموت حتى يحوجه الله إليها ويكتب الله له بها النار. وكذلك عنه: من سأل الناس وعنده قوت ثلاثة أيّام لقي الله يوم يلقاه وليس على وجهه لحم.